الفصل 5

استرداد الرياض

1319–1320هـ

  1. 1319هـاسترداد الرياض عند المصمك
  2. 1320هـابن رشيد يحاصر الرياض
الخطوط المتقطعة وعلامة ≈ تعني مسارًا أو موقعًا تقريبيًا. الأسماء الرمادية مدن اليوم، للاسترشاد. مواقع الأماكن: GeoNames (CC BY 4.0). على الخريطة: أبا جفان، الشقيب، سدير، الحوطة، الحلوة، الخرج، الدلم، السويدي.

في الكويت ألحّ عبدالعزيز على والده حتى وافق الإمام عبدالرحمن على خروجه. وكان الإمام يحثّه على التريّث وبناء القوة العسكرية أولًا، لكن عبدالعزيز كان مصمّمًا وواثقًا من استرداد الرياض.

أربعون رجلًا

خرج من الكويت في أربعين رجلًا متجهًا إلى شرق الجزيرة، نحو الأحساء والربع الخالي. وانضم إليه عشرون أو ثلاثة وعشرون رجلًا آخرون (تختلف المصادر)، فصاروا بين ستين وثلاثة وستين رجلًا، بسلاح بسيط من البنادق.

وفي سنة 1319هـ استمال قبائل المنطقة للانضمام إليه في الهجوم على الرياض. وتقول إحدى الروايات إنه جمع ألفًا وخمسمئة من الهجّانة وستمئة فارس، وإن كانت هذه الأرقام موضع شك. فجهّز ابن رشيد حامياته في بلدات نجد، في القصيم وسدير وشقراء. وضغط كذلك على حاكم البصرة، وعلى قاسم بن ثاني، وعلى نائب العثمانيين في الأحساء. فهدّدوا القبائل بالانتقام وبمنعها من الميرة، فانسحبت، وبقي عبدالعزيز في نحو ستين رجلًا. وكان ذلك في رجب سنة 1319هـ.

وأرسل الإمام عبدالرحمن رسولين يطلب من ابنه العودة إلى الكويت. فخطب عبدالعزيز في رجاله أمامهما: من أراد أن يعود إلى أهله فليقف على اليسار ويرجع مع رسولي الإمام، ومن أراد البقاء معه فليقف على اليمين. فوقفوا جميعًا على اليمين. فقال للرسولين: «سلّما على الإمام، وقولا له: موعدنا الرياض».

الانتظار في الخفاء

لما انفضّت القبائل ظنّ ابن رشيد أن الخطر زال، فانسحبت حامياته من حول الرياض وعاد هو إلى حائل. أما عبدالعزيز فأقام متخفيًا غرب الأحساء شهرًا وعشرين يومًا، عن قصد، ليظنّ خصومه أن مشروعه انتهى فيخففوا استعداد حامياتهم.

ولما مضى شعبان وعشرون يومًا من رمضان تحرّك نحو الرياض، فبلغ أبا جفان قرابة ليلة العيد، وطلب من رفاقه أن يلبسوا أحسن ثيابهم، وقال إنها إحدى اثنتين: أن يموتوا، أو يعيّدوا في الرياض.

الليلة في الرياض

وفي الرابع من شوال بلغ ضلعًا يُسمّى الشقيب، شرق سكة الحديد في الرياض اليوم، قرب طريق عمر بن الخطاب ومنتزه المنّاخ. فترك هناك ثلاثة وعشرين رجلًا من رجاله الثلاثة والستين مع الركائب والعتاد، ومضى بأربعين. وعند الضحيرة، خارج البلدة، ترك ثلاثة وثلاثين رجلًا بقيادة أخيه محمد بن عبدالرحمن، وقال له: «إن لم يأتكم خبرنا في الصباح فارحلوا، فنكون قد استُشهدنا».

ودخل الرياض مع سبعة رجال، وكان يعرف البلدة وبيوتها. فطرق ليلًا باب جويسر، وكان يتاجر في الغنم والبقر، وادّعى أنه رجل أرسله عجلان، قائد ابن رشيد في الرياض، ليأخذ بقرتين. فعرف جويسر أن الصوت ليس صوت ابن مطرف الذي ادّعاه، وظنّه صوت عبدالعزيز، ففتح الباب. فأمسك به عبدالعزيز حتى لا يتسرّب الخبر.

كان بيت جويسر جزءًا من مجموعة بيوت متصلة ببيت عجلان، فاستطاع عبدالعزيز أن يصل إلى عجلان بهدوء دون أن يسلك الطريق. وكانت خطته أن يضرب القائد، فإذا سقط الرأس تبعه الباقي. وفي بيت عجلان أوثق الخدم ودخل غرفة عجلان ببندقيته، فلم يجد إلا زوجته وأختها. فقالت إن عجلان يبيت كل ليلة في المصمك مع حاميته ويعود في الصباح «بعد طلوع الشمس بثلاثة أرماح». فأغلق عليهما الباب.

وأرسل في طلب الثلاثة والثلاثين، فانتظروا في البيت يراقبون باب المصمك من غرفة علوية، يشربون القهوة ويتدارسون خطتهم.

باب المصمك

في الصباح فُتح باب المصمك، وخرج الخدم والجنود إلى بيوتهم، وخرج عجلان، وأُطلقت الخيل تتحرك حول القصر. وفي إحدى الروايات أحسّ عجلان بأن شيئًا غير طبيعي. ففوجئ بعبدالعزيز أمامه وفي يده البندقية.

استلّ عجلان سيفه، فأطلق عبدالعزيز النار على يده. وفرّ رجال عجلان إلى داخل القصر عبر «الخوخة»، وهي باب صغير في البوابة الكبيرة لا يتسع إلا لرجل واحد، وما زالت في باب المصمك إلى اليوم. ودخل عجلان نصفه من الخوخة، فأمسك به عبدالعزيز وجذبه. وكان عبدالعزيز يروي فيما بعد أن عجلان ضربه برجليه حتى كاد يُغمى عليه. ورُمي عجلان برمح، وما زال نصله المكسور مغروسًا في باب المصمك.

ولم يستغرق ذلك كله إلا ثواني، أقل من دقيقة. وأراد عبدالعزيز أن يلحق بعجلان عبر الخوخة فأمسكه رجاله، فدخل عبدالله بن جلوي وأطلق النار على عجلان.

وفتح رجاله الأبواب وتبادلوا إطلاق النار مع الحامية، وكانت بين مئة ومئة وخمسين رجلًا، لم يكونوا كلهم جنودًا. ولجأ عشرون منهم إلى الجهة الغربية من المصمك، فحوصروا حتى أُذن لهم بالخروج آمنين.

كانت الرياض يومها مجموعة صغيرة من البيوت. ولما سمع الناس إطلاق النار لزموا بيوتهم لا يدرون ما يجري، حتى ارتفع النداء: «الحكم لله ثم لعبدالعزيز بن عبدالرحمن». فابتهج أهل الرياض وبايعوه في المصمك.

تثبيت الحكم في الرياض

أرسل عبدالعزيز الأمير ناصر بن سعود إلى الكويت ليأتي بالإمام عبدالرحمن، واستدعى الرجال الذين بقوا عند الشقيب. ولما انتشر في القرى المجاورة وفي الوشم وسدير أن عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود قد جاء، توافد إليه الرجال بالمئات، فبلغت قوته خلال أيام نحو ألف رجل.

ووصل الإمام عبدالرحمن سنة 1320هـ، فخيّم عبدالعزيز خارج الرياض لاستقباله تكريمًا له. وقال لأبيه: «أنا خادمك، وأنت الإمام من جديد». فأبى الإمام، ورأى أن ابنه هو الأحق بالحكم. وتبادلا الرسائل، ودخل العلماء في محاولة إقناعهما. وفي النهاية قبل عبدالعزيز، على أن تكون كلمة أبيه هي الأولى دائمًا. وبقي الأمر كذلك حتى توفي الإمام عبدالرحمن سنة 1346هـ.

كان عبدالعزيز يعلم أن ابن رشيد سيأتي لحصار الرياض، فسخّر رجاله كلهم لإعادة بناء أسوارها في خمسة أسابيع. ثم ترك في الرياض ألف رجل مع والده، وانسحب جنوبًا مع نحو ألفين من أهل جنوب الرياض الذين بايعوه، حيث كانت قبضة ابن رشيد أضعف: بين بني تميم في الحوطة والحلوة، وفي الحريق والخرج والدلم.

وكان أهل الجنوب معروفين بالشدة. ففي سنة 1253هـ، في عهد الإمام فيصل، كلّف هجوم إسماعيل آغا على الحوطة والحلوة جيشه ألفين وأربعمئة قتيل، مقابل سبعين من المدافعين. وأُحرقت العظام في غار في الحلوة ما زال يُسمّى غار الروم.

ووزّع عبدالعزيز رجاله على الدلم والسلمية والخرج وعُليّة، وأشاع أنه اختلف مع أبيه. فاحتار ابن رشيد: أيهاجم الرياض أم يلاحق عبدالعزيز؟

حاصر ابن رشيد أسوار الرياض الجديدة بضعة أيام، ثم اتجه جنوبًا في أثر عبدالعزيز، فلم يجد جيشًا بل فلّاحين بين النخيل. ورفض أهل الخرج والدلم الهدايا التي قدّمها لاستمالتهم. وظلّ عبدالعزيز شهرًا ونصفًا يضرب جيشه بغارات خاطفة أوقعت فيه خسائر كبيرة. ثم تفشّى وباء زاد من الارتباك، فكان الانسحاب.

ثم تظاهر ابن رشيد بالزحف إلى الكويت، فخرج عبدالعزيز لنصرة ابن صباح. لكن ابن رشيد عاد وحاصر الرياض، فعلم عبدالعزيز بخطته مبكرًا وحصره بين قوته والمدافعين. فانسحب ابن رشيد عن طريق السويدي، يقطع النخيل ليضغط على البلدة، حتى هاجمه أهل الرياض وطردوه.